القرطبي
105
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان ، وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمرو ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر . ( ابن المبارك ) قال : أخبرنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، قال : بلغنا أن معاذ بن جبل كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « والذي نفس محمد بيده ، إن ما بين شفة النار وقعرها لصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن ، تهوي من شفة النار قبل أن تبلغ قعرها سبعين خريفا » « 1 » . حدّثنا هشيم بن بشير ، قال : أخبرني زفر ، حدّثنا ابن أبي مريم الخزاعي ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : إن ما بين شفير جهنم وقعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي ، أو قال : صخرة تهوي ، عظمها كعشر عشراء عظام سمان . فقال لي مولى لعبد الرحمن بن خالد : هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة ؟ قال : نعم ؛ غي وآثام « 2 » . ( مسلم ) عن خالد بن عمير العدوي قال : خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميرا على البصرة فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وولت جدا ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، يتصابّها صاحبها ، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ، فإنه ذكر لنا أن الحجر ليلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ، لا يدرك لها قعرا واللّه لتملأن أفعجبتم ؟ « 3 » الحديث . وسيأتي بتمامه في أبواب الجنة - إن شاء اللّه تعالى . وقال كعب : لو فتح من نار جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه ، حتى يسيل من حرها ، وإن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ جاثيا على ركبتيه ، ويقول : نفسي نفسي . فصل قوله : « اشتكت النار » : شكواها إلى ربها بأن أكل بعضها بعضا ، محمول على الحقيقة لا على المجاز ، إذ لا إحالة في ذلك . وليس من شرط الكلام عند أهل السنة في القيام بالجسم إلا الحياة ، وأما البنية واللسان والبلة فليس من شرطه ، وليس يحتاج في الشكوى إلى أكثر من وجود الكلام . وأما الاحتجاج في قوله عليه السلام : « احتجت النار والجنة » فلا بد فيه من العلم والتفطن للحجة . وقيل : إن ذلك مجاز عبّر عنه بلسان الحال ، كما قال عنترة :
--> ( 1 ) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد « الزهد » ( 301 ) والحاكم ( 4 / 597 ) بإسناد صحيح . ( 2 ) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد « الزهد » ( 302 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2927 ) .